الخميس، 7 يناير 2021

مختصر شُعب الإيمان للإمام البيهقي -15 تعظيم النبي صلي الله عليه وسلم

 

15 - الخامس عشر من شعب الإيمان

 

وهو باب في تعظيم النبي  صلى الله عليه وسلم  وإجلاله

 وتوقيره  صلى الله عليه وسلم

 

 وهذه منزلة فوق المحبة لأنه ليس كل محب معظما . ألا تري أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ، ولا يدعوه إلى تعظيمه والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم ، والسيد قد يحب مماليكه ولكن لا يعظمهم، والمماليك يحبون ساداتهم، ويعظمونهم .

فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبة فوق المحبة، والداعي إلى المحبة ما يفيض عن المُحَب على المُحِب من الخيرات، والداعي إلى التعظيم ما يُحَب المعظم في نفسه من الصفات العلية،  ويتعلق به من حاجات المُعظم التي لا قضاء لها إلا عنده، ويلزمه من مننه التي لا قوام له بشكرها وإن جد واجتهد .

فمعلوم أن حقوق رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم ،لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة ، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة،  وهدانا به،  كما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم ؟ وآية منة تداني هذه المنن؟

 ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة ؟ وأي درجة تساوي هذه الدرجة؟

 فحق علينا إذا أن نحبه ونجله، ونعظمه ونهيبه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده .

وبمثل هذا نطق الكتاب ووردت أوامر الله جل ثناؤه قال الله عز وجل: ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).

 فأخبر أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف في أن التعزير ها هنا التعظيم وقال : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه)  .

فأبان أن حق رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في أمته أن يكون معززا موقرا يتهيب ولا يعامل بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا .

قال الله عز وجل: ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا).

 فقيل في معناه : لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا إجابته بالأعذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض، ولكن عظموه بسرعة الإجابة ومعاجلة الطاعة، ولم تجعل الصلاة لهم عذرا في التخلف عن الإجابة إذا دعا أحدهم وهو يصلي، إعلاما لهم بأن الصلاة إذا لم تكن عذرا يستباح به تأخير الإجابة فما دونها من معاني الأعذار أبعد .

ذلك وذكر حديث أبي بن كعب رضي الله عنه كما :

1427 -  عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي  صلى الله عليه وسلم  نادى أبي بن كعب وهو قائم يصلي فلم يجبه فقال: " ما منعك أن تجيبني يا أبي ؟" فقال: كنت أصلي فقال :" ألم يقل الله تبارك وتعالى : (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )  لا تخرج من المسجد حتى أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها ، قال أبي : ثم اتكأ على يدي حتى إذا كان بأقصى المسجد ، قلت: يا نبي الله قلت كذا وكذا؟ قال: " نعم هي أم القرآن، والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها، وإنها السبع الطول التي أوتيت وإنها القرآن العظيم"  (رجاله ثقات ).

 

قال الحليمي رحمه الله: وقيل معنى الآية: ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) ذلك أنه لما كان ينادونه على رسم الملأ بينهم فيقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهوا عن ذلك وأمروا أن يعظموه فيقولوا يا رسول الله يا نبي الله وكل واحد من الأمرين إجلال وتعظيم .

 

وقوله:( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) .

نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري كان إذا جالس النبي  صلى الله عليه وسلم  يرفع صوته إذا تكلم فلما نزلت هذه الآية انطلق مهموما حزينا، فمكث في بيته أياما مخافة أن يكون قد حبط عمله ، وكان سعد بن عبادة جاره فانطلق حتى أتي النبي  صلى الله عليه وسلم  فأخبره بذلك فقال له النبي  صلى الله عليه وسلم  :" اذهب فأخبر ثابت بن قيس أنك لم تُعن بهذه الآية ولست من أهل النار،  بل أنت من أهل الجنة، فاخرج إلينا  فتعاهدنا "  ففرح ثابت بذلك ثم أتى النبي  صلى الله عليه وسلم  فلما أبصره النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:" مرحبا برجل يزعم أنه من أهل النار، بل غيرُك من أهل النار، وأنت من أهل الجنة " فكان بعد ذلك إذا جلس إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  يخفض صوته حتى ما يكاد يسمع الذي يليه فنزلت فيه: ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ) فقتل يوم اليمامة.

وقوله : (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ).

فهم ناس من بني تميم كانوا ينادون النبي صلي الله عليه وسلم من وراء الحجرات يا محمد ألا تخرج فقال الله تعالي: ( ولو أنهم صبروا حتي تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم).

وكان فيهم عيينة بن حصن الفزاري.

 

1432 -  عن بن عباس قال: قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يصلي من الليل،  قال فقمت وتوضأت لأصلي خلفه،  فأخذ بيدي فجعلني حذاءه،  فخنست فقمت خلفه  فأخذ بيدي فجعلني حذاءه فخنست فقمت خلفه فانصرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال : " ما لي كلما جعلتك حذائي خنست؟"

 قال :فقلت له لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله . قال :فدعا الله يزيدني فهما وعلما.

وذكر الحليمي رحمه الله :قول الله عز وجل: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) إلى آخر الآية وبسط الكلام في الاحتجاج بالآية في توقير النبي  صلى الله عليه وسلم  وتعظيمه وذكر قول الله عز وجل : (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما)  وما فيه من التوبيخ على ما كان منهم من انفضاضهم قال ثم إن المخاطبين بهذه الآية من الصحابة انتهوا إلى العمل بهذا وبلغوا في تعظيم النبي  صلى الله عليه وسلم  ما عرفوا به بعض حقه

 

 

1434 -  المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم فذكروا قصة الحديبية وما كان من عروة بن مسعود الثقفي قالا ثم جعل عروة يرمق بالحجارة صحابة النبي  صلى الله عليه وسلم  فوالله ما تنخم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده،  وما يحدون إليه النظر تعظيما له.

 قال فرجع عروة لأصحابه فقال: أي قوم  والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه  ما يعظم أصحاب محمد محمدا.

 والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده،  فإذا أمرهم ابتدروا أمره،  وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه،  وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له .

 

1439 -  عن أنس بن مالك أن النبي  صلى الله عليه وسلم  لما حلق شعره يوم النحر تفرق الناس فأخذوا شعره فأخذ أبو طلحة منه طائفة قال بن سيرين: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من الدنيا وما فيها .

رواه البخاري في الصحيح عن أبي يحيى عن سعيد بن سليمان .

 

قال الحليمي رحمه الله: فهذا كان من الذين رزقوا مشاهدته،  فأما اليوم فإن تعظيمه زيارته،  ومن تعظيمه تعظيم حرمه وهو المدينة، وإكرام أهلها،  ومنها قطع الكلام إذا جرى ذكره، أو يروي بعض ما جاء عنه،  وصرف السمع والقلب إليه، ثم الإذعان له والنزول عليه، والتوقي من معارضته وضرب الأمثال له.

 

1444 -  عن سعيد بن جبير قال :كنت عند عبد الله بن مغفل فحذف عنده رجل من قومه فقال :لا تحذفن فإن رسول الله  صلى الله عليه وسلم   قد نهى عنه، وقال:" إنك لا تصطاد بها صيداً،  ولا تقتلُ بها عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين"  قال فلم ينتهي الرجل،  فقال أحدثك عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه نهى عنها،  ولم تنته لا أكلمك كلمة أبداً.(صحيح)

 1445 -  عن بن عمر عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال:" ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل"  فقال بعض بنيه: والله لا نأذن لهم فيتخذنه دغلا(خديعة وحيلة للفساد)، فقال بن عمر: فعل الله بك وفعل أقول : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وتقول : لا نأذن لهن.

 رواه مسلم في الصحيح عن علي بن خشرم عن عيسى

 

1446 -  عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان أمرأ من الأنصار وكان يدخل على النساء ويتحدث إليهن قال أبو برزة فقلت لامرأتي اتقواالله لا يدخلن عليكم جليبيب.

 قال: وكان أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيها حاجة أم لا. فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ذات يوم لرجل من الأنصار : "يا فلان زوجني ابنتك"  قال: نعم ونعمة عين. قال :"إني لست لنفسي أريدها " قال: فلمن ؟ قال:" لجليبيب" قال: يا رسول الله حتى أستأمر أمها .

فأتاها فقال: إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يخطب ابنتك، قالت: نعم ونعمة عين زوج رسول الله  صلى الله عليه وسلم  .

قال :إنه ليس لنفسه يريدها قالت: فلمن؟  قال :لجليبيب قالت حلقي ألجليبيب إنيه ألجليبيب إنيه، ألجليبيب إنيه  لا لعمر الله لا أزوج جليبيا فلما قام أبوها ليأتي النبي  صلى الله عليه وسلم  قالت الفتاة من خدرها : من خطبني إليكما ؟ قالا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قالت :أفتردون على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أمره؟ ادفعوني إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فإنه لن يضيعني. فذهب أبوها إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقال: شأنك بها ، فزوجها جليبيا .

قال إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لثابت : هل تدري ما دعا لها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  به؟  قال: وما دعا لها به؟  قال اللهم صب عليها الخير صبا صبا ، ولا تجعل عيشها كدا كدا.

 قال ثابت فزوجها إياه قال فبينما رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في مغزي له،  فأفاء الله عليه فقال:" هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانا وفلانا ،ونفقد فلانا ثم قال:" هل تفقدون من أحد ؟ "قالوا : لا قال:" لكني أفقد جليبيبا ، فاطلبوه في القتلى"  فنظروا في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :" قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه" يقولها مرارا فوضعه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  على ساعده ماله سرير إلا ساعدي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى وضعه في قبره قال ثابت فما كان من الأنصار أيم أنفق منها.

 أخرجه مسلم آخر هذا الحديث عن إسحاق بن عمر بن سليط عن معاذ والجميع صحيح على شرطه .

 

قال ومنه :ألا ترفع الأصوات عند قبره. ولا يخاض عنده في لهو ولا لغو ولا باطل ولا شيء من أمر الدنيا مما لا يليق بجلال قدره ومكانته من الله عز وجل .

 

ومنه: الصلاة والتسليم عليه كما جرى ذكره

 قال الله عز وجل :( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) أمر الله تعالى عباده أن يصلوا عليه ويسلموا بعد إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه لينبهم بذلك على ما فيها من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته تتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه فهم بالصلاة والتسليم أولى وأحق .

 

1451 -  عن أبي مسعود الأنصاري قال:أتانا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بني سعد أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟  فقال: فسكت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :" قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم " لفظ حديث يحيى بن يحيى رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى .

ورواه كعب بن عجرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  وهو مخرج في الصحيحين.

 

1452 -  عن عمرو بن سليم الزرقي أنه قال أخبرنا أبو حميد الساعدي أنهم قالوا :يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :"قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد "

 رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسلمة.

وأخرجه مسلم من وجه آخر عن مالك.

 

وذكر الحليمي رحمه الله:  في معنى هذا التشبيه أن الله عز وجل أخبر أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم مخاطبة لسارة : (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) وقد علمنا أن نبينا  صلى الله عليه وسلم  من أهل بيت إبراهيم وكذلك آله كلهم فمعنى قولنا اللهم صل أو بارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت أو باركت على إبراهيم وآل إبراهيم أي أجب دعاء ملائكتك الذين دعوا لآل إبراهيم فقالوا : (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) وفي محمد وآل محمد كما أجبته في الموجودين (الذين) كانوا يومئذ من أهل بيت إبراهيم فإنه وآله من أهل بيته أيضا .

وكذلك يختم هذا الدعاء بأن يقول" إنك حميد مجيد" فإن الملائكة ختمت دعائها بقولهم "إنك حميد مجيد".

 

1454 -  عن أبي هريرة أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال :"من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا " أخرجه مسلم في الصحيح من حديث إسماعيل.

 

1466 -  عن عبد الله بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :" إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ".

 

1468 -  عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :" أيما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على نبيهم إلا كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ".

 

1471 - عن كعب بن عجرة قال :قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  " احضروا المنبر " فحضرنا ، فلما ارتقى درجة قال آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال آمين،  فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال آمين،  فلما فرغ نزل من المنبر قال فقلنا له  يا رسول الله لقد سمعنا اليوم منك شيئا لم نكن نسمعه.  قال :" إن جبريل عليه السلام عرض لي فقال بَعِدَ من أدرك رمضان فلم يُغفر له فقلت:  آمين،  فلما رقيت الثانية قال: بَعِدَ من ذًكرتَ عنده فلم يصل عليك فقلتً: آمين،  فلما رقيتً الثالثة قال: بَعِدَ من أدرك والديه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخِلاه الجنة أظنه قال فقلت آمين ". (إسناده حسن).

 

1477 -  عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال للنبي  صلى الله عليه وسلم  : كم أجعل لك من صلاتي؟ قال: " ما شئت " قال :الثلث ؟ قال:" ما شئت وإن زدت فهو أفضل"  قال: النصف؟ قال:" ما شئت وإن زدت فهو أفضل " قال :فكلها قال:" إذا يكفيك الله همك ويغفر لك ذنبك ".

 

1479 - عن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:" ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام " (قال الألباني: حسن).

 

1480 -  عن بن مسعود عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال :"إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام" .

 

فصل

في معنى الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  والمباركة والرحمة

 

قال الحليمي رحمه الله :أما الصلاة باللسان فهي التعظيم.

 وقيل: الصلاة المعهودة سميت صلاة لما فيها من حني الصلا  وهو وسط الظهر لأن انحناء الصغير للكبير إذا رآه تعظيما منه له في العادات، ثم سموا قراءته  أيضاً صلاة إذا كان المراد منه عامة ما في الصلاة من قيام وقعود وغيرهما من تعظيم الرب تعالى.

 ثم توسعوا، وسموا كل دعاء صلاة إذ  كان الدعاء تعظيما للمدعو بالرغبة إليه ، والخضوع له تعظيما للمدعو له بابتغاء ما ينبغي له من فضل الله تعالى وجميل نظره .

 

وقيل :" الصلوات لله " أي الأذكار التي يراد بها تعظيم المذكور والاعتراف له بجلال القدر وعلو الرتبة كلها لله عز وجل أي هو مستحقها لا يليق بأحد سواه، فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد به اللهم عظم محمدا في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وابقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود،  وتقديمه على كافة المقربين في اليوم المشهود.

 

 وهذه الأمور وإن كان الله تعالى قد أوجبها للنبي  صلى الله عليه وسلم  فإن كل شيء منها ذو درجات ومراتب، فقد يجوز إذا صلى عليه واحد من أمته فاستجيب دعاؤه فيه أن يزداد النبي  صلى الله عليه وسلم  بذلك الدعاء في كل شيء مما سمينا رتبة ودرجة . ولهذا كانت الصلاة عليه مما يقصد بها قضاء حقه ، ويتقرب بإكثارها إلى الله تعالى .

 

ويدل على أن قولنا اللهم صل على محمد صلاة منا عليه أنا لا نملك إيصال ما يعظم به أمره ويعلو به قدره إليه . وإنما ذلك بيد الله تعالى فصح أن صلاتنا عليه الدعاء له بذلك وابتغاؤه من الله جل ثناؤه له.

 

 قال:  وقد يكون للصلاة على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وجه آخر وهو: أن يقال الصلاة على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كما يقال السلام على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  والسلام على فلان وقد قال الله عز وجل : (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) معناه لتكن أو كانت الصلاة من الله على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كما يقال  صلى الله عليه وسلم  أي كانت من الله عليه الصلاة أو لتكن الصلاة من الله عليه والله أعلم .

ووجه هذا أن التمني على الله عز وجل سؤال، ألا ترى أنه يقال غفر الله لك ورحمك الله فيقوم ذلك مقام اللهم اغفر له واللهم ارحمه.

 

 وأما التسليم فهو أن يقال: السلام على النبي ، والسلام عليك أيها النبي،  أو سلام عليك أيها النبي ، أو يا رسول الله . ولو قال : اللهم صل وسلم على محمد لأغنى ذلك عن السلام عليه في التشهد.

 ومعنى السلام عليك: اسم السلام عليك، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل فكأنه  يقال إسم الله عليك. وتأويله :لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمت من المكاره والمذام إذ كان اسم الله تعالى إنما يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخير والبركة فيه وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنه .

ووجه آخر هو أن يكون معناه ليكن قضاء الله عليك السلام وهو السلامة كالمقام والمقامة والملام والملامة أي سلمك الله من المذام والنقائص.

 فإذا قلنا :اللهم سلم على محمد كأنما نريد به اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على الأيام علوا، وأمته تكاثرا ،وذكره ارتفاعا ، ولا يعارضه ما يوهن له أمرا بوجه من الوجوه والله أعلم .

 

وأما الرحمة فإنها تجمع معنيين :أحدهما :إزاحة العلة .والآخر : الاثابة بالعمل.

 وهي في الجملة غير الصلاة ألا ترى أن الله عز وجل قال : (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)  ففصل بينهما وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما دل على انفصالهما عنده يعني ما :

1484 -  عن سعيد بن المسيب عن عمر قال: نعم العدلان ونعم العلاوة. ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون *أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) نعم العدلان (وأولئك هم المهتدون) نعم العلاوة .

 

قال الحليمي رحمه الله:  قيل في تفسير قوله عز وجل : ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ) أنه الثناء من الله تعالى عليهم والمدح والتزكية لهم وقوله : (ورحمة ) أنها كشف الكربة وقضاء الحاجة ، وقوله: ( أولئك هم المهتدون ) يحتمل وأولئك المصيبون طريق الحق دون من خالفهم فجزع على المفقود وبالسخط المعهود .

 

وأما المباركة فإنها فعل الله تعالى جده وإنما يكون منا التبريك وهو أن نقول: اللهم بارك على محمد، وأصل البركة الدوام وهو من برك البعير إذا أنيخ في موضع فلزمه وقد توضع موضع النماء والزيادة،  وأصلها ما ذكرنا لأن تزايد الشيء موجب دوامه، وقد توضع أيضا موضع التيمن فيقال للميمون : مبارك بمعنى أنه محبوب ومرغوب فيه، وذلك لا يخالف ما قلنا لأن البركة إذا أريد بها الدوام فإنما يستعمل ذلك فيما يراد ويرغب في بقائه فإذا قلنا :" اللهم بارك على محمد " فالمعنى اللهم أدم ذكر محمد ودعوته وشريعته وكثر أتباعه وأشياعه، وعرف أمته من يمنه وسعادته أن تشفعه فيهم وتدخلهم جناتك وتحلهم دار رضوانك، فيجمع التبريك عليه الدوام والزيادة والسعادة والله أعلم

 

فصل

في الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الواجب في الصلاة واجبة وأما خارج الصلاة فقد قال الحليمي رحمه الله : قد تظاهرت الأخبار بوجوب الصلاة عليه كلما جرى ذكره،  فإن كان يثبت إجماع يلزم الحجة بمثله على أن ذلك غير فرض وإلا فهو فرض على الذاكر والسامع وفرضها في التشهد الأول عند ذكره على وجهين: أحدهما أن يكون واجبا لأجل ذكره لا لأجل الصلاة ( كما يجب على المسبوق ببعض الصلاة - لأجل اقتدائه بالإمام  - ما لا يجب عليه لأجل الصلاة ) والآخر أن يقال أن للصلاة حال واحدة فإذا ذكر المصلي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ولم يصل عليه حتى يتشهد في آخر الصلاة فصلى عليه اجزأ ذلك عن الغرض وعما مضى من ذكره وأطال الحليمي رحمه الله الكلام في هذا الفصل .

 

 وأما الصلاة على آل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فإن أكثر أصحابنا ذهبوا إلى أنها غير واجبة .

 

وقد سمعت أبا بكر محمد بن بكر الطوسي الفقيه يقول سمعت أبا الحسن الماسرجسي يقول سمعت أبا إسحاق المروزي أنا أعتقد أن الصلاة على آل النبي  صلى الله عليه وسلم  واجبة في التشهد الأخير من الصلاة.

 قال البيهقي رحمه الله:  وفي الأحاديث التي رويت في كيفية الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  الدلالة على صحة ما قال والله أعلم.

 

 واختلفوا في آل النبي  صلى الله عليه وسلم  فذهب الشافعي رحمه الله في رواية حرملة إلى أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب الذين حرمت عليهم الصدقة، وجعل لهم سهم ذي القربى من خمس الفيء والغنيمة استدلالا بما روينا في الحديث الثابت عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال:" إن هذه الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" رواه مسلم.

 

اسم الآل للقرابة الخاصة لا لعامة المؤمنين

وقد حمله الحليمي رحمه الله على كل تقي من القرابة

 وأما أزواج النبي  صلى الله عليه وسلم  فإن اسم أهل البيت لهن تحقيق وقد سمين آل النبي  صلى الله عليه وسلم  تشبيها بالنسب .

وقد روينا في الحديث الثابت عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال :" إنما يأكل آل محمد من هذا المال " أخرجه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما شبع آل محمد  صلى الله عليه وسلم  منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض .

وقالت إن كنا آل محمد لنمكث شهرا ما نستوقد بنار

 

وعن أبي هريرة أنه قال : ما شبع آل محمد  صلى الله عليه وسلم  من طعام ثلاثة أيام حتى قبض وإنما أراد بذلك أزواجه فدل ذلك على دخولهن في اسم الآل .

وروينا في حديث أبي حميد الساعدي في كيفية الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  تعليم النبي  صلى الله عليه وسلم  أمته بتسمية أزواجه عند الصلاة عليه فدل ذلك على دخولهن في الصلاة عند الصلاة على الآل والله أعلم.

 ومما يدخل في تعظيم النبي  صلى الله عليه وسلم  أن لا يقابل قول يحكى عنه أو فعل به يوصف أو حال له يذكر بما يكون ازراء به.  ولا يسمى بشيء من الأسماء التي هي في متعارف الناس من أسماء الضعة فلا يقال كان النبي فقيرا، أو يقال إذا ذكرت - مجاعته أو شدة لقيها - مسكين كما يقال ذلك في مثل هذه الحال لغيره ترحما وتعطفا عليه،  وإذا قيل كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يحب كذا لا يقابله أحد بأن يقول أما أنا فلا أحبه .

 

قال البيهقي رحمه الله: ومن تعظيم الله عز وجل وتعظيم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن لا يحمل على مصحف القرآن ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع البيت، وأن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمسح أحد يده من طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله تعالى أو ذكر رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ولا يمزقها تمزيقا، ولكن إن أراد به تعطيلها فليغسلها بالماء حتى تذهب الكتابة منها،  وإن أحرقها بالنار فلا بأس،  أحرق عثمان رضي الله عنه مصاحف كانت فيها آيات وقراءات منسوخة ، ولم ينكر ذلك عليه أحد والله أعلم.

 

 قال البيهقي رحمه الله : ذكر الحليمي رضي الله عنه أنه قال وعندي أنه إن غسلها بالماء ولم يحرقها كان أولى لما فيها من الشناعة، ولفارق ما أمر به عثمان من تحريق المصاحف التي تخالف ما أجمعوا عليه لما كان يخشى منها من الفتنة وإثبات ما صار رسمه منسوخا لما في تحريقها من المسارعة إلى إفنائها .

 

ومن هذا الباب أن لا يكسر درهما فيه اسم الله واسم رسوله  صلى الله عليه وسلم  فقد جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس .

والبأس أن يكون زائفا فيكسر لئلا يغتر بها مسلم.

 ووجه النهي عن الكسر أنه كتمزيق الورقة التي فيها ذكر الله تعالى أوذكر رسوله  صلى الله عليه وسلم  إذ كانت الحروف تتقطع والكلم يتفرق. وفي ذلك ازراء بقدر المكتوب.

 ومتى كسر لعذر فإنما إثم الكسر على ضاربه لأنه هو الذي غر ودلس فأحوج إلى الكسر لإظهار الغش والله أعلم.

 

 قال البيهقي رحمه الله : وهذا الحديث إنما رواه محمد بن فضاء وليس بالقوي عن أبيه عن علقمة بن عبد الله البرني عن أبيه والله أعلم

 

ومن تعظيم النبي  صلى الله عليه وسلم  تعظيم أهل بيته وتعظيم أولاد المهاجرين والأنصار

وجاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه قال:" قدموا قريشا ولا تقدموها " وما ذلك إلا أنه  صلى الله عليه وسلم  منهم .

وروينا عن بن عمر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه قال: يا أيها الناس ارقبوا محمدا  صلى الله عليه وسلم  في أهل بيته .

 

ومما روي من بعد أن بعث الله أفضل رسله من العرب وأنزل عليه آخر كتبه بلسان العرب فصار على الناس فرضا أن يتعلموا لسان العرب، وإن كان ذلك من فروض الكفاية ليعقلوا عن الله عز وجل أمره ونهيه ووعده ووعيده ويفهموا عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بيانه وتبليغه،  وحكم بأن الأئمة من قريش إلى سائر ما فضلهم به .

 

وقد ذكر الحليمي رحمه الله في ذلك فصلا طويلا من أراده نظر فيه بتوفيق الله

 

1501 -  عن عائشة رضي الله عنها:( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم ) قالت هذه للعرب خاصة .

 

1502 - عن بن عباس في قوله عز وجل: ( وانه لذكر لك ولقومك)  قال: شرف لك ولقومك وقوله عز وجل: ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) قال :شرفكم

 

وفي الحديث الثابت عن سعيد بن جبير في قصة إسماعيل وزمزم ونزول قوم جرهم في أسفل مكة.

 قال بن عباس قال النبي  صلى الله عليه وسلم  :" فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس فنزلوا معها حتى كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام يعني إسماعيل وتكلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ".